محمد بن جرير الطبري
111
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ، ويغنيك بها عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق ، وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا ، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه على أصبر لآمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " قالوا : فأسقط السماء علينا كسفا ، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك " ، فقالوا : يا محمد ، فما علم ربك أنا سنجلس معك ، ونسألك عما سألناك عنه ، ونطلب منك ما نطلب ، فيتقدم إليك ، ويعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به ، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن ، وإنا والله ما نؤمن بالرحمن أبدا ، أعذرنا إليك يا محمد ، أما والله لا نتركك وما بلغت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا ، وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة ، وهن بنات الله ، وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا . فلما قالوا ذلك ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، وهو ابن عمته هو لعاتكة بنت عبد المطلب ، فقال له : يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ، ليعرفوا منزلتك من الله فلم تفعل ذلك ، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب ، فوالله لا أو من لك أبدا ، حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيه ، وأنا أنظر حتى تأتيها ، وتأتي معك بنسخة منشورة معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت ألا أصدقك ، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسيفا لما فاته مما كان يطمع فيه من قومه حين دعوه ، ولما رأى من مباعدتهم إياه ؛ فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال أبو جهل : يا معشر قريش ، إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وسب آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر قدر ما أطيق حمله ، فإذا سجد في صلاته فضخت رأسه به . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا ابن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، بنحوه ، إلا أنه قال : وأبا سفيان بن حرب ، والنضر بن الحرث أبناء بني عبد الدار ، وأبا البختري بن هشام . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن سعيد ، قال : قلت له في قوله تعالى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً قال : قلت له : نزلت في عبد الله بن أبي أمية ، قال : قد زعموا ذلك . القول في تأويل قوله تعالى وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا يقول تعالى ذكره : وما منع يا محمد مشركي قومك الإيمان بالله ، وبما جئتهم به من الحق إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى يقول : إذ جاءهم البيان من عند الله بحقيقة ما تدعوهم وصحة ما جئتهم به ، إلا قولهم جهلا منهم أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا فأن الأولى في موضع نصب بوقوع منع عليها ، والثانية في موضع رفع ، لأن الفعل لها . القول في تأويل قوله تعالى قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا يقول تعالى ذكره لنبيه : قل يا محمد لهؤلاء الذين أبوا الإيمان بك وتصديقك فيما جئتهم به من عندي ، استنكارا لأن يبعث الله رسولا من البشر : لو كان أيها الناس في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ، لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ، لأن الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ، ومن خصه الله من بني آدم برؤيتها ، فأما غيرهم